محمد جمال الدين القاسمي

323

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال المهايمي : كمال الرحمة في الجزاء ، إذ بدونه تضيع مشاق المعارف الإلهية ، والأعمال الصالحة ، وتضيع المظالم ، ولا جزاء في دار الدنيا ، لأنه فرع التكليف ، ودار التكليف لا تكون دار الجزاء ، لأن مشاهدته مانعة من التكليف . انتهى . و ( إلى ) بمعنى اللام ، كقوله : إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ [ آل عمران : 9 ] ، أي في اليوم ، أو في الجمع . الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي : بتضييع رأس مالهم ، وهو الفطرة الأصلية ، والعقل السليم ، والاستعداد القريب الحاصل من مشاهدة الرسول عليه الصلاة والسلام ، واستماع الوحي ، وغير ذلك من آثار الرحمة . فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي : لا يصدقون بالمعاد ، ولا يخافون شر ذلك اليوم . قال أبو السعود : والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، والإشعار بأن عدم إيمانهم بسبب خسرانهم ، فإن إبطال العقل باتباع الحواس ، والانهماك في التقليد ، وإغفال النظر ، أدى بهم إلى الإصرار على الكفر ، والامتناع من الإيمان . والجملة تذييل مسوق من جهته تعالى ، لتقبيح حالهم ، غير داخل تحت الأمر . تنبيه : روي في معنى هذه الآية عن أبي هريرة « 1 » : قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لما خلق اللّه الخلق كتب في كتاب ، فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي » - رواه الشيخان - وفي البخاريّ : إن كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق : إن رحمتي سبقت غضبي ، فهو مكتوب عنده ، فهو العرش . و في رواية لهما : أن اللّه لما خلق الخلق . و عند مسلم : لما قضى اللّه الخلق ، كتب في كتاب كتبه على نفسه ، فهو موضوع عنده . زاد البخاريّ : على عرش . ثم اتفقا : إن رحمتي تغلب غضبي . وسنذكر ، إن شاء اللّه ، شذرة من أحاديث الرحمة عند آية كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قريبا .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : بدء الخلق ، 1 - باب ما جاء في قول اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ .